الحلقة الثانية (4)

حرف الباء

المعنى العرفاني للبيت ومشاهدة ذلك في واقع ثورة الحرية والسلام والعدالة في السودان وإقتراح مدن السودان المتحدة
مواصلة لسلسلة نظرات في حروف التكوين ومتابعة النور الذي أنزلت به وأنزل معها
 
١- موضوعنا اليوم، في حرف ال (ب) ، في المعنى العرفاني ل ( البيت ) .. ولكننا لاحظنا ان اليوم يصادف الذكرى الأليمة لمجزرة ٣ يونيو … لهذا السبب فإننا ربطنا الحديث العرفاني بالواقع السوداني وبإقتراح المدن، لأن القرآن ينزل في اللحظة الحاضرة ( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ورب العالمين موجود في كل لحظة، وهذا هو معنى تلقي القرآن من اعماق ينبوع الحكمة الذي لا ينضب، ومن أصل العلم الإلهي الزاخر الفياض ( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ)
٢- بدأ الحديث بملاحظة الوضع الراهن في السودان، الذي قامت فيه ثورة عظيمة، تنادي بالحرية والسلام والعدالة، بقيادة الشباب من النساء والرجال، وبإجماع شعبي رائع، في جميع مدن السودان.. ولكن الثورة تمت سرقتها حتى ظل السودان لمدة عامين، يحكم بواسطة اللجنة الأمنية للبشير وجيش الانقاذ وقضاء الانقاذ وبمليشيا الدعم السريع ومليشيات الحركات المسلحة وبمشاركة بعض المدينين … لذلك لم يكن غريبا عدم ظهور نتيجة التحقيق في جريمة فض الاعتصام، لمدة عامين كاملين، لأن المتهم الأول هو برهان وحميدتي وقبيلهم… نرجو متابعة تفاصيل الحديث حتى انتهى لعودة الوعي ورجوع الثوار لإستعادة الثورة، بالدعوة الصريحة لإسقاط حكومة الفترة الانتقالية
٣- بعد ذلك، تم الرجوع الى المعنى العرفاني للبيت، المشتق من المبيت ( إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ) أو ( وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) … كما ان البيت هو مكان الإقامة، ومكان الأكل والشرب، كما هو واضح من كلمة البيوت الواردة ثماني مرات في سورة النور، مع ملاحظة ان الطعام له تأويله في القرآن حيثما ورد ( لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ )…لا يوجد في الكون، إلا الطاقة والمادة … وحيثما نظرنا بعقلنا المقيد بالحواس الخمس، فإننا لا نرى، إلا الكون مفرقاً في الأشياء من نجوم وجبال وشجر، وفي الاحياء من دواب و ناس … لكننا عندما ننظر بعين العلم المادي، نرى ان المادة لا وجود لها، وإنما هي طاقة تدفع وتجذب في الفضاء .. بمعنى ان الكون هو ( اللاشئ )
٤ – ارجو متابعة النظر في معنى نسبة البيت لله العظيم الذي وردت مرتين .. مرة في سورة البقرة ، حيث التركيز على الزمن ( وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ )
ومرة في سورة الحج،حيث التركيزعلى اللازمن( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ )
لماذا ذكر ابراهيم مرة وحدهُ ومرة مع اسماعيل ؟ ولماذا استبدلت كلمة ( العاكفين ) ب ( القائمين ) ؟ وكيف صار ابراهيم بواءً مماثلًا للبيت ؟ وما هو مقام ابراهيم الذي تكون منه الصلاة ؟
غني عن البيان، ان كلمة ( بيت ) ذكرت مرة ثالثة في القرآن، وكان ذلك في حق نوح علية السلام وكان ذلك لسبب ما
٥- تم القاء الضوء على تطهير البيت، بمعنى خلو العقل من الأفكار والخواطر، بوضعها في الماضي الذي هو مكانها الصحيح … فاذا علمنا ان المادة لا وجود لها في الحقيقة، ظهر لنا ثالوث الوجود واحداً ثابتاً، مثل رسم الرقم ثمانية باللسان العربي الحالي ( ٨ )… الخط اليمين يرمز الى الكون وهو ( اللاشئ ) كما هو ثابت علمياً .. الفراغ في الوسط يرمز الى العقل البشري، وهو فراغ و ( لا شئ ) في اللحظة الحاضرة … الخط في الشمال يرمز الى المكون، وهو فراغ لأنه عدم مجهول بالنسبة للعقل البشري المتذبذب بين الماضي المستقبل … اذن العقل البشري هو خليفة الله، بوحدة ( الشئ ) في ( اللاشئ) المبسوط في قوله ( حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ)
٦- خلافة الإنسان لله، تتوكد بوحدة هذا الفراغ العظيم.. وهذا هو الذي يجعل الثلاثة واحداً، وهو هو الذي يجعل الحشر ممكناً بعلم التقوى الذي هو الفناء ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) بعد ان كان الحشر مستحيلاً، في حق اللذين لا يعلمون ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) اي ان الله في صورة الكون يحول بين المرء و قلبة المعمور بالله وهو غير عالم بذلك .. استطرد الحديث في تتبع معنى البيت في ( ١٩ ) مرة، مع القاء الضوء على قصيدة العارف عبدالغني النابلسي، التي ينظر فيها الانسان الفرد الذي يشعر بأنه الكون، ويتساءل عن المكون في داخله، وهو يرى النجوم والشمس والقمر حُللاً، تزين صدر الوجود في خارجه، والتي مطلعها :
هذه اثوابهم والحللُ ليت شعري أين قومي نزلوا
٧- اقتراح المدن، يتسق مع المعنى العرفاني للبيت، لأن المدينة تقوم على الإقامة في البيت، في حرية وفي فردية وفي مساواة تامة مع سكان الحي، المتصل بالإدارة المحلية، تحت إدارة المدينة ذات الصلة عن طريق مديريها ومجالسها المحلية .. وتتصل المدن المستقلة في اتحاد قوي مع العاصمة المثلثة في مجمع البحرين، يقوم على التخطيط والتنسيق والإستغلال الأمثل للموارد … وفي ذات الوقت تتصل كل مدينة بابنائها خارج السودان للعون المعنوي والفني والمادي، حيث يكون لكل مدينة بنك خاص، ومؤسسات تعليمية وصحية، يكون حاكم المدينة مسئولاً عن حسن إداراتها، عن طريق جهازه الإداري، وبمراقبة سلطة المدينة التشريعية … ويكون لكل مدينة بوليس يحمي مواطنيها في تدرج بين الإدارات المحلية والأحياء والقرى .. ويكون القضاء مستقلاً عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويكون لكل مدينة محكمة استئناف تراجع احكام المحاكم الإبتدائية، وتخضع في ذات الوقت للمحكمة العليا في العاصمة، التي تفسر الدستور وتحميه، وبذلك تزول الثنائية الموجود في نظام القضاء الحالي الموروث من نظام الإنقاذ
٨- نظام المدن يتفق مع القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الانسان، والذي وردت في ديباجته كلمات “حرية وسلام وعدالة ” ، و حفظت بنوده حق الحياة وحق الحرية، في الرأي وفي الدين، والمساواة بين المواطنين، بصرف النظر عن عنصرهم… بهذا التشريف للإنسان وبقدسية جسده، تسقط عقوبة الإعدام، ويتم تصفية جيش الانقاذ، ومليشيات الحركات المسلحة، وتسقط حركة الاخوان المسلمين التي تقوم على التمييز الديني والجهاد وعدم المساواة بين النساء والرجال، كما يتم انسحاب السودان من جامعة الدول العربية التي تقوم على اساس عنصري، وفي ذات الوقت تسقط الدعاوى القبلية والعنصرية وإشكالات الهوية، لوحدة السودانيين في المعنى الإنساني الرحيب
هذا فضلاً، عن اقتراح المدن يتسق مع الدستور الذي لا خلاف عند الشعب عليه، لأن الشعب يريد الحرية والسلام والعدالة … ولكن الأحزاب هي المختلفة على الدستور، لأن فكرة الاخوان المسلمين تقوم على انكار الحقوق الأساسية التي تهدم الدستور من أساسه .. وقد اتفق مع الأخوان المسلمين، حزب الأمة والحزب الاتحادي ( ازهري والميرغني والإمام الهادي والترابي والصادق ) في فكرة الدستور الإسلامي الخاطئة … أما الحزب الشيوعي والأحزاب القومية والبعثية فهي تحمل اعباء ثقيلة من النظم الدكتاتورية والفكر الشمولي الذي انهزم في عقر داره
وفوق هذا وذاك، فإن اقتراح المدن يتفق مع التراث السوداني العظيم، والذي هو أصل الحضارة الإنسانية في مدننا الزاهرة القديمة في كرمة و نبتة و مروي و دنقلا و البجراوية و سوبا ثم هاجرت علومنا وحضارتنا الى مدن العالم القديم في اثينا و روما و بابل واضاءت بنورها كل أرجاء المعمورة.
 
بدرالدين يوسف السيمت
٣ يونيو ٢٠٢١
إشترك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
نرحب بمشاركتك في التعليقاتx
()
x