الحلقة الأولى (8)

حرف الألف

أضواء على التأويل وآياته الباقية في اللحظة الحاضرة والتي هي الحالة الثابتة للعقل النبوي المستنير وذلك هو الله العظيم …
مواصلة سلسلة نظرات في حروف التكوين وتتبع النور الذي انزلت به وأنزل معها
 
١- التأويل هو أصل القرآن، وهو الحالة العقلية التي كان عليها النبي محمد، وهي البقاء في اللحظة الحاضرة، على الصراط المستقيم ( فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ) ولما كان الله على صراط مستقيم ( إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ) كانت طاعة الرسول هي طاعة الله، وليس مجرد طاعة رسول الله ( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) ومن تولى اشارة صريحة للماضي، وإشارة ضمنية للمستقبل .. ومن هنا، فإننا نجزم جزمًا باتًا، بأن القرآن، لا يعرف الا في اللحظة الحاضرة الباقية، بقاء الله… وكل من ابتغي معرفة القرآن، بعقل متذبذب بين الماضي والمستقبل، فسيكون قصاراه التعب… ويتبع ذلك الخواطر المشوشة في البداية والأفكار الهدامة في النهاية، كما هو الحال الغالب على المسلمين، على مر العصور
٢- الحالة العقلية الساكنة الصامتة في كل لحظة، يستحيل معرفتها إلا بمعيشتها في كل لحظة .. ولكن يمكن أن يشير من عاشها وعرفها، إلى معناها بالكلمات وضرب الأمثال .. كما يمكن أن يشير الى ما فيها و ما حولها من شعور لا يوصف، وأحاسيس لطيفة فياضة، بالرموز والحروف .. لهذا السبب العتيد، فقد كان النبي محمد، عندما ينطق بالقرآن، إنما يشير بكلماته الى الله الباقي في كل لحظة … وما تكلم محمد بالقرآن إذ تكلم، ولكن الله تكلم ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ) وهذا هو تأويل قول الرسول محمد ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) بقول الله، و ان القرآن كلام الله ( حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ الله)
٣- ويجب ان يكون مفهوماً، ان النبي محمد قد كان على الحق، بصورة واضحة له، وواضحة لمن يعرفه ( فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ) وضوحاً، جعل محمد نفسه حقاً ( وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقّ ) ولا يكون على الحق إلا الحق، لأن الحق لا ضد له، ولا شريك له … والحق لا ضد له ولا شريك له، لأن الحق هو الله المبين ( وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ) والله لا ضد له، لأنه هو كل شئ، ولا يوجد شئ خارجه، إلا هو ذات الذي فيه من غير شريك … ولو كان له شريك، ( لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ ) ولما كان الله هو الخالق
٤- على هذه الأسس المتينة الثابتة، يتضح لك ان الهوى، يعني الإعتماد في فهم الدين وفهم الشريعة، على معطيات الحواس الخمس المخزونة في الدماغ، كما هو واضح من قوله ( ثُمَّ جَعَلْنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) وغني عن البيان ان الشريعة طرف من الدين ( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ) والأمر، هو واحدة فقط، ويعني البقاء في اللحظة الحاضرة ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) ولم يكن عليه السلام، ينطق إلا من اللحظة الحاضرة، اي لا ينطق إلا من الله ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ) ولا يوجد دين ولا توجد شريعة، الا في البقاء حقاً، مع الله في الله في اللحظة الحاضرة ( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ) والحكم لا يعني الحكومة والدولة، وإنما يعني جعل الله “البقاء في اللحظة الحاضرة” حكماً وفيصلاً، في حياتك كلها، بما فيها من ميلاد وموت، وحركات وسكنات ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) والأمر واحدة، كما تقدم
٥- الأخوان المسلمون والسلفيون والطائفيون، ليست لهم رؤية إلهية ( بِمَا أَرَاكَ الله) وإنما هم خائنون، متسللون لواذاً، يفهمون الدين، ويفهمون الشريعة بعقولهم، وبالإعتماد على الحواس الخمس ( بالهوى )
وهذا هو السر في فساد الإنقاذ وسفكها للدماء، وخيانتها للأمانة، بالإنقلاب العسكري المشئوم، وسرقتها للثورة السلمية، غدراً وخيانة ..
ثلاثون عاماً من الظلام، أثرت على العقل السوداني، وشوشت على فطرته الطيبة، وهذا هو السر في عجز القيادات السودانية المدنية عن مواجهة الشريعة، التي تقوم على الجهاد، وعدم المساواة بين النساء والرجال.. وعجزهم عجزاً تاماً، عن الغاء قوانين سبتمبر البغيضة، وإحتيالهم بما اسموه بالمؤتمر الدستوري، الذي كان يعد له البشير وقبيله وتدعمه طائفة الأنصار وطائفة الختمية
٦- بهذا الفهم السديد، نفهم ان العيش في اللحظة الحاضرة هو طبيعة الله وفطرته، وهو ايضاً طبيعتنا وفطرتنا، التي طبعنا الله عليها، فنحن لا نرى ولا نسمع، إلا في اللحظة الحاضرة، على فطرة الله، وهذا هو الدين ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) بهدا الإشراق الفطري الطبيعي نفهم فهما جديداً، سائر كلمات القرآن … وضربنا لذلك الأمثال والمعاني الجديدة، في التسجيل المرفق : ب الهوى والطاغوت والطغيان والخيانة والكذب ومعنى رفع الأصوات فوق صوت النبي .. فأرجو الا يمر السامعات والسامعون على ذلك مروراً عابراً، بل يقفوا طويلاً.. ويتذكروا اللحظة الحاضرة … بغير ذلك فإن القرآن، يزيدهم نفوراً ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ) … ويكون التذكر بوضع مخزون العقول، في مكانه الصحيح في الماضي، اي دهاليز النسيان، وبذلك يكون الفتح في كل شئ ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ )
٧- الكذب، هو التناقض مع الأمر الواقع، في كل لحظة.. ولقد ضربنا مثلًا لذلك بسورة الرحمن … لقد ترددت ( تكذبان ) في ارجاء السورة العظيمة، لأن عقلنا الظاهر، يعتمد على الحواس الخمس ( الهوى ) وعقلنا الباطن يعتمد على الأحاسيس والمشاعر والمعاني القائمة على الحواس الخمس، وقد توكدت هذه المعاني في سورة ( المنافقون ) اي سورة التناقض والكذب، ولذلك فان شهادتهم برسالة الرسول كذب، ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) بل إن طاعتهم معصية وتبديل لقول الرسول ( وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ )
٨- مسك الختام سورة المرسلات، التي تعصف بالكذب عصفاً، وتنشر الصدق نشراً، أمرًا واقعياً في كل لحظة ( إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ) وهذا هو الدين ( وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ )
ولأننا نخالف هذه الفطرة السليمة، ونعتمد على اهواء عقولنا، فإننا نجد الدين عسيراً وشاقاً ومربكاً، كما هو غالب الحال عند المسلمين والنصارى والهندوس والبوذيين وسائر الملل والنِحل، على تفاوت بينهم في الربكة والاضطراب والقلق المعبر عنهم، بالويل في هذه السورة العظيمة الفاصلة ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ)
فأرجو التوقف والتمعن والتأمل، دون الوصول الى نتائج مقضية عل عجل ( وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُۖ )
ولست ادري، إذا أنت لم تؤمن بهذا الحديث، وإذا أنا لم اؤمن بهذا الحديث، وإذا الناس لم يؤمنو بهذا الحديث ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ).
 
مركز دراسات التأويل
بدرالدين يوسف السيمت
١٢ مايو ٢٠٢١
إشترك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
نرحب بمشاركتك في التعليقاتx
()
x